الشيخ محمد النهاوندي

375

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : قالوا : إن كان محمد صادقا ، فليصبح عند رأس كلّ رجل منا صحيفة فيها براءة من النار « 1 » . كَلَّا لم يقولوا هذه الكلمات ، ولم يقترحوا تلك الآيات لرفع الشّبهة بَلْ للعناد واللّجاج لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ وشدائدها ، لأنّهم ينكرونها ويستغرقون في حبّ الدنيا وشهواتها كَلَّا ليس لأحد أن يعرض عن القرآن حيث إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ بليغة كافية ، وموعظة شافية لأهل العالم فَمَنْ شاءَ الذّكر والعظة ذَكَرَهُ واتّعظ به ، وجاز به خير الدارين . وقيل : إنّ الضمير في إِنَّهُ و ذَكَرَهُ راجع إي التذكرة في قوله : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ لأنّها في معنى الذّكر والقرآن « 2 » . وَما يَذْكُرُونَ ولا يتّعظون ولا يهتدون به إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ تذكّرهم واتّعاظهم ، أو هدايتهم به ، وفيه دلالة على أنّه بمشية اللّه وإرادته العبد ، لأنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، كما حقّقناه في أوائل البقرة . ثمّ وصف سبحانه ذاته المقدّسة بما يوجب الخوف والرجاء بقوله : هُوَ تعالى أَهْلُ التَّقْوى وحقيق بأن يخاف منه ومن عقابه على ترك الايمان وطاعته ، لأنّه ذو انتقام وشديد العقاب وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وحقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه . عن الصادق عليه السّلام في هذه الآية قال : « قال اللّه تبارك وتعالى : أنا أهل أن أتّقى ولا يشرك بي عبدي شيئا ، وأنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله الجنّة » . وقال عليه السّلام : « [ إن اللّه تبارك وتعالى ] أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذّب أهل توحيده بالنار أبدا » « 3 » . عن الباقر عليه السّلام : « من قرأ في الفريضة سورة المدّثر ، كان حقا على اللّه عز وجل أن يجعله مع محمد صلّى اللّه عليه وآله في درجته ، ولا يدركه في الحياة الدنيا شقاء أبدا إن شاء اللّه تعالى » « 4 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 212 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 213 ، تفسير روح البيان 10 : 242 . ( 3 ) . التوحيد : 20 / 6 ، تفسير الصافي 5 : 252 . ( 4 ) . ثواب الأعمال : 120 ، مجمع البيان 10 : 77 ، تفسير الصافي 5 : 252 .